شفيق سلوم شاعر عامية أصيلا ومعاصرا

شفيق سلوم شاعرا عامية. ولا أقول شاعرا شعبيا كما يحب أن يسمى نفسه - فالطبيعي أن يكون كل شاعر من يكتب بالفصحى أو بالعامية شاعرا شعبيا، لأنه صوت الشعب وضميره. صوت الأمة وضميرها. صحيح أن أحداثنا اليومية والوطنية والقومية تلقى استجابة سريعة ومباشرة من فنوننا المختلفة، ولكن الصحيح أيضا أن الشعر على تنوعه هو دائما الأسبق والأثرى..

فالشعر المصري هو الشاهد الأمين على الواقع والوقائع، وهو السجل الحافل لمكونات تاريخنا ومكنوناته، وهو الصدى الشعبي لأحزاننا وأفراحنا القديمة.. والشعر المصري لعب دورا كبيرا منذ فجر التاريخ وقيام الحضارة على أرض الوادي، في تشكيل وجداناتنا وعواطفنا وأحلامنا، بالكلمة الناصعة الجلية والنبرة الحنونة القومية، والنغمة الرقيقة العذبة عندما يتحول إلى نشيد أو أغنية.. هكذا لعب الشعر دوره في الحرب والسلم في الإعداد والاستعداد.. في التشييد

والتعمير.. ولا نغالي إذا قلنا إن الشعر ساهم في بناء الشخصية المصرية. فمنذ بيرم التونسي حتى شفيق سلوم مرورا بفؤاد حداد، وصلاح جاهين، وعبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، وعبد الرحيم منصور، وسمير عبد الباقي، وشعر العامية بصفة خاصة يحتل مكانة عالية وعميقة في نفوس المصريين، بل والعرب أجمعين رغم الفوارق بين اللهجات، كما أنه الأقرب إلى روح الغناء.

وشاعر العامية يميل إلى النقد والسخرية ولكن بهدف الإصلاح والبناء وذلك انطلاقا من الحب والحرص والوفاء. ومن هذه المقولة الشعبية التي تصل ككل المقولات إلى حد الحكمة يا بخت من بكاني وبكي عليّ، ولا ضحكني وضحك الناس عليّ.

شفيق سلوم رغم انتقاله إلى العاصمة واندماجه بأهلها وعاداتها ومثقفيها إلا أنه لم ينفض يديه ولم يفكر أن ينفضها من تراب قريته وطنيها وناسها وسلوها ولغتها وتراثها ومن هنا يتولد إحساسه بكل ماله وما عليه من هموم وأحلام، ومن هنا جاء شفيق سلوم شاعر مواطن، وإن شئت قل مواطن شاعر بنصه هو بنص الناس إحساسه إحساس الناس وأفكاره هي أفكار الجميع، يخرج من بين الجموع الغفيرة ويعمل على أن يصل بشعره إلى الجموع الغفيرة ولكن من خلال المثقفين. وتلك هي المحنة الكبرى، محنته ومحنة شعراء العامية في مصر. فالمثقفون يعتبرون شعر العامية شعرا من الدرجة الثانية إذا ما قيس بشعر الفصحى، وبالتالي فإن المثقفين يخطئون إذا تصوروا ذلك.. ولهذا يلجأ شعراء العامية إلى كتابة الأغنية لتحقيق الانتشار السريع والعريض، كسند يدافعون به عن أنفسهم وشعرهم ويعوضون به نظرة المثقفين هذه بل يتعالون عليهم عند درجة من النجاح، والدليل على ذلك أن شعراء العامية معظمهم لا يسعى لإصدار ديوان يضم أشعاره ويكتفي بانتشاره بواسطة الأغنية وهل هذا بالشيء القليل؟ نرى على سبيل ذلك الأبنودي، عبد الرحيم منصور وسيد حجاب، وعبد السلام أمين، نشرتهم أغانيهم على العكس تماما من فؤاد حداد وسمير عبد الباقي اللذان لم يسعيا إلى انتشارهما بواسطة الغناء.. هناك شعراء آخرون جمعوا بين الديوان والانتشار الغنائي منهم مثلا بيرم التونسي وصلاح جاهين، وفي الوقت الذي يتعالى فيه شعراء الأغنية عن إصدار ديوان نرى حد الإنفاق على الشعر وليس على التكسب من وراءه.

يقول شفيق سلوم عن تمسكه بالقرية وعاداتها وطينها وترابها.
أنا اللي عاشق ترابك في النازلة والطالعة
وأنا اللي باكل حلال وما كلتها شي والعة
جلدي بلون قمحتك عمري ما غيرته
ولا عمري ح أنسى في يوم التوتة والترعة
وكما قلت آنفا إن شفيق سلوم عاشق ومتيم بتراب الوطن الأصغر وذلك في إطار عباءة الوطن الأكبر الأم مصر يقول
أحلف باسم الجلالة وبالقلم واللوح
وأحلف بطه النبي وأحلف بعيسى ونوح
وبحق سورة تبارك والضحى والعصر
ح أنطق وأقول مصر في ساعة طلوع الروح

يواصل شفيق سلوم حضوره الأمسيات الشعرية جمهرة الشعراء. يحضر الندوة الأسبوعية للـ؟؟ ويواظب على الحضور في ندوة الدكتور عبد القارد القط بغرناطة مصر الجديدة. يضفي جمالا على شعره حين يلقيه حتى إنه يخيل إليك أنه ليس باستطاعته أحد أن يجيد الإلقاء مثل هذا الشاعر ومن هنا يصل شعره إليك وأحاسيسه.

شفيق سلوم جاء من الأرض المغلوبة على أمرها وهو في الوقت ذاته ابن البلد الذي اكتسب هذه الصفة من مهنته التي تتطلب مخالطة الناس من كافة فئات الشعب في العاصمة فقيرها وغنيها الطيب والشرير الإنساني والغير إنساني المادي والمعنوي.. إلخ.

يضم شفيق سلوم في ديوانه هذا كما هائلا من المرارة والألم اللذان يحيطان بالوطن الكبير يترجمها إلى شعر راق يروق من يقرأه أو يستمع إليه.. إنني بلا تردد ولا مغالاة ولا مجاملة أقرر بعد أن قرأت الديوان بتمعن تام وفهم لما بين السطور.. إن شفيق سلوم ينضم إلى قافلة شعراء العامية في مصر لا أقول في الكوكبة الأولى وحسب بل في مقدمتهم، ويقيني أن الشاعر الصديق شفيق سلوم جدير بهذه المكانة، والله الموفق.

فتحي العشري

[شفيق سلوم] [الشاعر] [قالو عنه] [نجيب محفوظ] [أنيس منصور] [عبد الفتاح البارودي] [د. طه وادي] [فاروق جويدة] [د. حسن إسماعيل] [فتحي العشري] [د. مصطفى الشكعة] [جلال عيسى] [د. رفعت الحفني] [الجديد] [دواوين] [صحف ومجلات] [إذاعة وتليفزيون] [ندوات] [مقالات] [اتصل بنا]